ابن حزم

65

رسائل ابن حزم الأندلسي

وأعطى تافها وأخذ عظيما « 1 » . وهو الذي عرف ما لا يبقى معه فزهد فيه ، وميّز ما لا يزايله فسعى له ، ونسأل اللّه أن يجعلنا في عدادهم بمنّه آمين . وباليقين يدري كل ذي [ لب ] « 2 » سليم أنه لا يتوصل إلى العلوم إلا بطلب ، ولا يكون الطلب إلا بسماع وقراءة وكتاب ، لا بدّ من هذه الثلاث خصال ، وإلا فلا سبيل دونها إلى شيء من العلوم البتة . فإذ ذلك كذلك فلنتكلم - بعون اللّه تعالى - على وجه التوصل إلى العلوم ، وبيان أفضلها صفة وأعلاها قدرا ، والذي بالناس إليه الضرورة الماسة ، والفاقة الشديدة ، والحد الذي لا يجزئ منه ما دونه ، والنهاية التي لا وراء لها منه . فالواجب على من ساس صغار ولدانه وغيرهم أن يبدأ منذ أول اشتدادهم وفهمهم ما يخاطبون به ، وقوتهم على رجع الجواب - وذلك يكون في خمس سنين أو نحوها من مولد الصبيّ - فيسلمهم [ إلى مؤدب ] « 3 » في تعليم الخط وتأليف الكلمات من الحروف ، فإذا درب الغلام في ذلك ، درس « 4 » وقرأ . والحدّ الذي لا ينبغي أن يقتصر المعلم على أقلّ منه أن يكون الخط قائم الحروف ، بينا صحيح التأليف الذي هو الهجاء ، فإن الخط إن لم يكن هكذا لم يقرأ إلا بتعب شديد . وأما التزيد في حسن الخط فليس هو فضيلة بل لعله داعية إلى التعلق بالسلطان ، فيفني دهره إما في ظلم الناس ، وإما في تسويد القراطيس بتواقيع بعيدة « 5 » من الحق ، مشحونة بالكذب والباطل ، فيضيع زمانه باطلا ، وتخسر صفقته ، ويندم حين لا ينفعه الندم ، وكان كإنسان ملك مسكا كثيرا فترك أن يصرفه في التطييب به ومداواة النفوس بريحه وفغوته « 6 » وأقبل يطيّب به البهائم ، ويصبه في الطريق حتى فني في غير فائدة . فهذا [ حدّ ] تعلم الكتاب .

--> ( 1 ) ص : تانيها . . . عظيمها . ( 2 ) زيادة لازمة . ( 3 ) زيادة يقتضيها السياق . ( 4 ) ص : ودرب . ( 5 ) ص : بعيد . ( 6 ) ص : وقوته ؛ والفغوة : الرائحة الطيبة .